🌡️ --° ...

التوطين في القطاع الخاص.. من الأرقام إلى الكفاءات الوطنية – 2

تستحق جهود التوطين الحكومية كل التقدير، فقد حققت نقلة نوعية في استقطاب الكفاءات الوطنية إلى القطاع الخاص، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الشباب الإماراتي للمشاركة في التنمية. لكن المرحلة المقبلة تتطلب تحولاً نوعياً في فلسفة التوطين؛ فلم يعد التحدي في فتح أبواب القطاع الخاص أمام المواطنين، بل في تحويل هذه الأبواب إلى مسارات حقيقية للنمو والقيادة.

فالتوطين الحقيقي لا يكتفي بأن يفتح الباب للمواطن، بل يصنع له مساراً يقوده من الوظيفة إلى الكفاءة، ومن الحضور إلى التأثير، ومن الفرصة إلى القيادة. أما التوطين الذي يقف عند حدود العدد، أو يكتفي بتحقيق النسب المطلوبة، فإنه يحقق شكل السياسة لا جوهرها، ويملأ الجداول أكثر مما يبني القدرات.

لقد نجحت الدولة في ترسيخ حضور المواطن داخل القطاع الخاص، وهذه خطوة مهمة في مسار التنمية. غير أن السؤال في المرحلة المقبلة لم يعد: كم مواطناً دخل سوق العمل؟ بل: كم مواطناً استمر، وتطور، وترقى، واكتسب خبرة حقيقية، وأصبح جزءاً من القيمة المضافة للمؤسسة والاقتصاد؟

ومن هنا، فإن الانتقال من التوطين الكمي إلى التوطين النوعي يحتاج إلى مؤشرات قياس جديدة، لا تكتفي بعدّ المواطنين، بل تقيس أثر حضورهم. نحتاج إلى مؤشرات واضحة للاحتفاظ الوظيفي، والنمو المهني، ونقل المعرفة، وجودة التدريب، وعمق الوظيفة، ومدى مشاركة المواطنين في المشاريع الاستراتيجية والقطاعات المستقبلية.

فالوظيفة ليست متساوية في أثرها. هناك وظائف تمنح خبرة سطحية، ووظائف تصنع قيادة. وهناك مواقع تضع المواطن على هامش المؤسسة، ومواقع تجعله شريكاً في القرار والإنتاج والتطوير. ولهذا، فإن التوطين النوعي يجب أن يتجه بوعي نحو الوظائف الحرجة في التكنولوجيا المتقدمة، والأمن السيبراني، والتحليل المالي، والصناعة، وسلاسل الإمداد، والإدارة العليا، وغيرها من القطاعات التي تحدد شكل الاقتصاد القادم.

ولا يتحقق ذلك بالتعيين وحده، بل بخطط تنمية فردية، ومسارات تدريب عملية، وفرص حقيقية للمشاركة في المشاريع الكبرى، وشراكة أعمق بين التعليم وسوق العمل. فالمواطن لا يحتاج إلى وظيفة فقط، بل إلى بيئة تكتشف قدرته، وتستثمر فيه، وتمنحه تجربة تؤهله للقيادة.

وفي المقابل، يجب أن ترتبط الحوافز والمساءلة بجودة التوطين لا بمجرد أرقامه. فالشركة التي تحتفظ بالمواطن، وتدرّبه، وتطوره، وتفتح أمامه طريق الترقي، تستحق التحفيز والتكريم. أما الشركة التي تتعامل مع التوطين كالتزام شكلي، أو تضع المواطن في موقع لا يصنع له خبرة ولا يضيف للاقتصاد قيمة، فيجب أن تخضع لمراجعة ومساءلة عادلة.

إن إنشاء نظام وطني لتصنيف الشركات وفق جودة التوطين، وإدراج مؤشرات التوطين النوعي ضمن تقييم الأداء المؤسسي، يمكن أن ينقل السياسة من مرحلة الامتثال إلى مرحلة الأثر. فالمطلوب ليس أن نعرف عدد المواطنين في القطاع الخاص فقط، بل أن نعرف موقعهم، ومسارهم، ونموهم، وما إذا كانوا يتحولون فعلاً إلى كفاءات وقيادات وطنية.

التوطين ليس مجاملة وطنية، بل استثمار في أمن الاقتصاد ومستقبله. وكل قطاع حيوي يغيب عنه المواطن يترك فجوة معرفية ستظهر آثارها لاحقاً. وكل مؤسسة لا تصنع قيادات وطنية من داخلها تؤجل سؤال المستقبل بدل أن تستعد له.

لذلك، فإن نجاح التوطين في مرحلته المقبلة لن يُقاس بعدد الوظائف وحده، بل بعدد الكفاءات التي صُنعت، والقيادات التي نضجت، والمسارات التي فتحت لأبناء الوطن داخل القطاع الخاص.

والسؤال الحقيقي لم يعد: كم مواطناً وظّفنا؟

Scroll to Top